هل يتكرّر السيناريو المصري في الجزائر؟

عبد اللطيف السعدون
عبد اللطيف السعدون
2019/04/11 الساعة 02:17 صباحاً

ملامح مرحلة جديدة في الجزائر تعلن عن نفسها بوضوح. الأجيال الشابة تريد "جزائر جديدة" مقطوعة الصلة بما سبقها، بعدما ظل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة شهورا يصارع من أجل البقاء على الكرسي، لكنه اضطر، في النهاية، إلى الاستسلام، طالبا من شعبه العفو، ومعلنا أنه يستقيل "حرصا على تفادي المهاترات اللفظية التي تشوب الوضع الراهن" ودرئها. وقد صيغت عبارات بيان الاستقالة، كما يبدو، بعناية من المؤسسة العسكرية التي تُمسك بشريط الأحداث. والظاهر أنها لا تريد التخلي عن دورها القيادي الذي اتخذته لنفسها منذ انتصار "ثورة المليون شهيد" قبل أكثر من نصف قرن.

هنا تكمن المفارقة، فالذين يطالبون اليوم بجزائر جديدة لا يعرفون عن ثورة التحرير والاستقلال، إلا عبر ما قرأوه في كتبهم المدرسية، وقد وجدوا فيها صفحة تاريخية تذكّر بالعرفان، حرّر فيها آباؤهم وأجدادهم البلاد، وحققوا استقلالها، وصنعوا دولة الجزائر المستقلة، لكنهم أدركوا أيضا أن رجال الطبقة السياسية الذين وضعتهم الثورة على قمة السلطة، وخصوصا في السنوات العشرين الأخيرة، راكموا كمّا كبيرا من الأخطاء والخطايا، وقد أوشك هذا الركام أن يطفئ الوهج الذي صنعته الثورة، كما استهلك النظام السياسي الذي أسّسته الثورة نفسه، وفقد جانبا كبيرا من شرعيته، على خلفية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المزرية التي كانت حصيلة حكم أولئك الرجال الذين تنكّروا لمطالب مواطنيهم، وغرقوا في مهاوي الفساد وسوء الإدارة، ما دفع "الحراكيين" الشباب إلى رفع راية التمرّد بوجوههم، معلنين سعيهم إلى التغيير الشامل، المتمثل في "الرحيل الكامل والفوري للنظام ورموزه".

ومع بروز "الحراك" قوة مهيمنة في الأوساط الشعبية المسحوقة واستمراريته، وجدت المؤسسة العسكرية نفسها، وهي الموحدة مع النظام، والمدافعة عنه إلى ما قبل زمن قصير، في موقفٍ حرجٍ لا تحسد عليه. ولذلك بادرت إلى النأي بنفسها عن قيادة السلطة، والتخلي عن دعم  من خلال إقدامها على اعتقال بعض أنصار بوتفليفة ومسانديه الذين وصفتهم بأنهم "عصابة كوّنت ثروات طائلة بطرق غير شرعية، وفي وقت قصير، من دون رقيبٍ ولا حسيب، مستغلة قربها من بعض مراكز القرار المشبوهة"، ومن بين هؤلاء شقيقان لبوتفليقة نفسه، لكنها أرادت مقايضة هذه الخطوة بإنجاز ما سمته "التطبيق الفوري للحل الدستوري" الذي يبقي ضمنيا على مراكز القوى، ويضع مفتاح السلطة بيدها من جديد، والذي بقي، حتى اللحظة الأخيرة، مرفوضا من الحراكيين الذين طالبوا بخطواتٍ "ثورية"، تتجاوز ما هو مقنن دستوريا، وترسي دعائم نظام جديد يقطع الصلة بالقديم، ويقيم مجلس رئاسة من أربعة إلى خمسة أفراد "من شرفاء ونزهاء الأمة" لفترة انتقالية محدّدة، لوضع دستور جديد للبلاد.
وفي ما يشبه التهديد للحراكيين، عادت المؤسسة العسكرية، وعلى لسان رئيس الأركان، أحمد قايد صالح، لتعلن إصرارها على "الحل الدستوري" باعتباره "قرارنا الواضح ولا رجعة فيه، (والذي يضمن) الحفاظ على وضع سياسي مستقر، بغية حماية بلادنا من أي تطوراتٍ قد لا تحمد عقباها"، ووصفت نشاط الحراكيين بأنه "تحرّكات مشبوهة، بهدف الالتفاف على المطالب المشروعة للشعب"، وردّ ناشطون حراكيون على ذلك بدعوة العسكر إلى "الاستماع للشعب وعدم التدخل في السياسة"!

هنا ثمّة ما يثير المخاوف والشكوك من أن يكون صالح قد وضع عينيه على السيناريو المصري الذي تكاد تكون الخطوات التي تتخذ في الجزائر مقاربةً له، كما قد تشكل الظروف المحيطة عاملا آخر، يدفعه إلى تبنّي هذا السيناريو والقفز إلى السلطة، محتجا بالفوضى التي قد تسببها أي خطوات غير محسوبة بدقة من الحراكيين الذين ما زالوا متمسكين بصيغة الفعاليات السلمية التي تعبر عن مطالبهم المشروعة، وهم لم يفقدوا الأمل بعد في إمكان تحالف الجيش معهم، على الرغم من ظهور أصوات لناشطين قد تستفز المؤسسة العسكرية، وتبرّر لها ما تسعى إليه.

بقي أن يُشار إلى أن ليس العسكر وحدهم في الميدان، هناك أيضا عسكر متقاعدون، ورجال مال وإعلام، وإعلاميون انتفعوا في فترة الأعوام العشرين، ويخطّطون للتسلل ثانية تحت هذه الراية أو تلك، ولهم خبرتهم التي قد تسعفهم.

من حقنا إذن، نحن الذين نخاف على الجزائر وأهلها، أن نضع أيدينا على قلوبنا، وكلنا دعاء أن يتمكن الجزائريون من الانتقال بأمان إلى نظام ديمقراطي دستوري، يكفل وحدة الوطن وحرية المواطن، وهذا ما نريده لهم دائما.