مؤتمر السلام في البحرين

فاطمة ياسين
فاطمة ياسين
2019/05/28 الساعة 03:29 صباحاً

قد يكون قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، رقم 181 الصادر في 1947، من أطول القرارات ديباجةً وتفصيلاً، فهو يكاد يشكل خريطة طريق مسهبة لقيام دولتين، يهودية وأخرى عربية، تضمن ما يشبه الدستور لإدارة أراضٍ بمعرفة الأمم المتحدة. كان القرار من أوائل القرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة، حيث تَبَنَّى العالم الخارج تواً من حربٍ شاملةٍ حلاً لما كانت تعرف بالمسألة اليهودية، فأوجد بدلاً منها القضية الفلسطينية. النص الخاص بالقدس الذي يضعها تحت إدارة دولية لم يُنفذ، وخطوط الفصل المحددة بخرائط القرار الذي يَرسم حدود الدولتين لم يتم الالتزام بها، وبدلاً من أن يحل السلام، نشبتْ حربٌ نشأت عنها دولةٌ يهودية وشعب فلسطيني مشرّد.
لم يقبل أحد بالقرار، واتكل الجميع، منذ صدوره، على وضع متوتر، تتخلله فترات حربٍ قصيرةٍ، جعلت المنطقة كلها تتخذ شكلاً سياسياً واجتماعياً خاصاً، اعتمد في مجمله على هذه القضية، والحرب التي أشعلها العالم في هذه المنطقة ما زالت مستمرة، وانتقلت من سهول الجولان وبطاح سيناء إلى حروبٍ داخلية في المدن العربية الرئيسية، كدمشق وبغداد وبنغازي، ولم تسلم منها أبعد مدينة في اليمن السعيد.
حالياً، يبدو الرئيس الأميركي القادم من عالم الأعمال كأنه يريد حل الموضوع بشكل نهائي، وتصفية هذه التركة التي جاوزت السبعين عاماً، وهذا وعدٌ قطعه لناخبيه كل رئيس للولايات المتحدة منذ هاري ترومان، لم ينجح أحد منهم بشكل مباشر، ولكن إزاحة سياسية كانت تحصل لصالح إسرائيل بمرور الوقت، ويحاول ترامب إنفاذ "الحل"، هذه المرة، من خلال خطة ذات طبيعة اقتصادية، كما هو متوقع منه، ولا مكان فيها للسياسة إلا بشكل جانبي، قد يَنتج عما سينجزه الاقتصاد.
تشعر أميركا بأن الجميع، والعرب خصوصاً، قد تعبوا، ومَن لم يتعب فمؤكدٌ أنه قد مل، كما أصبح لكل دولة منفصلةٍ همّها الخاص، أو قضيتها الخاصة، فباشر الرئيس الأميركي خطوته الكبيرة ببالونات اختبارٍ، يمكن أن تقيس بدقة ردود الفعل العربية، واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأوقف دعماً مالياً كانت تقدّمه أميركا لبعض صناديق الإعانة، أو المساعدات الفلسطينية الحرّة أو التابعة للأمم المتحدة. وعندما تأكد أن ردود الفعل لم تتجاوز تقاليد الاستنكار الاعتيادية، الناتجة عن قصر ذات اليد، توَّج خطوات الاعتراف تلك بعملية دفنٍ رسمية للقرار 181 الشهير!
قابلت المنطقة هذا القرار ببرود، وهي تعيش أزماتها الكبيرة حالياً، ووخزات من هذا النوع لم تعد قادرة على إثارتها، ولم يبق أمام ترامب إلا أن يخطو نحو حله النهائي، في مؤتمرٍ جامعٍ وواسع في قلب المنطقة، يتحدث فيه الزعماء عن السلام، وتتم فيه إعادة توزيع المال في مقابل طي الفكرة كلها بكل ما جرَّته من قراراتٍ للأمم المتحدة ومؤتمراتٍ ومتاجراتٍ لتصبح مجرد خبر إعلامي من الدرجة الرابعة.
ما تسمى صفقة القرن، أو اتفاق القرن، ليس في الواقع اتفاقاً جديداً، فالأطراف نسجت اتفاقها بالفعل، ومنذ أمد طويل: مصر وإسرائيل لديهما اتفاق، وكذلك الأردن، وليس في سورية مَن يستطيع التفاوض، وليس هناك ما يتم التفاوض بشأنه بعد قرار المصادقة على ضم الجولان. أما الجانب الفلسطيني فليس في الواقع جانباً واحداً، وقد انسحبت إسرائيل مما شاءت من الاتفاقيات، وما يتم حالياً على الحدود مع غزة هو تعزيز هذه الحدود مع سيطرة عسكرية عن بُعد، بالإضافة إلى هيمنة اقتصادية. لذلك تم اختيار عاصمة بعيدة على أطراف الخليج، المنامة، لا يربطها باليابسة إلا جسر يتسع لبضع سيارات ذهاباً وإياباً، وهو اختيار مقصودٌ برمزيته الجغرافية. وكل ما سيتم في هذا المؤتمر هو إعادة توظيف بعض الأموال الخاصة بالإقليم في مناطق الفلسطينيين، أو من يرغب منهم، وعليهم تحويل قضيتهم إلى مجرد فلكلور يتم الاحتفاء به كل عام.