آخر الأخبار :

مقتلة مأرب

معن البياري
معن البياري
2020/01/20 الساعة 04:18 مساءً

قالوا إن الحرب خدعة، ولكن قتل الحوثيين الانقلابيين 80 مجنّداً يمنياً (وإصابة 148) في استهدافهم مسجدا في معسكر حكومي في مأرب، في أثناء تأديتهم صلاة المغرب، أول من أمس السبت، ليس خدعة، وإنما جريمةٌ مشهودة. هذا بعيداً عن أي حديثٍ عن أخلاق الإسلام، وبعيداً طبعاً عن حديثٍ منسيٍّ عن أخوّة اليمنيين في بلدهم. ولقائل أن يقول، سيما إذا كان من منقوصي الحسّ الإنساني المحض، إن القوات التي تتبع الحكومة (الشرعية بحسب وصفها الذائع) كانت تشنّ، في الأثناء، هجوماً على نهم (شمال شرقي صنعاء)، وبذلك يصبح طبيعياً ضربُ المسجد في المعسكر مزاولةً لفعلٍ قتاليٍّ يواجه القوات الحكومية التي تُباغت مسلّحي الحوثيين في موضع آخر في البلد الذي أنهكته محدلة الفتك والتجويع المشهودة. ولكن الإنصات لكلامٍ كهذا، مع تبرير مضمونه، يصبحان نوعا من التواطؤ مع النوع الأسوأ من الحروب الأهلية التي يحترف العرب اختراع تنويعاتٍ متعدّدة لصنوفها. ويعبر اليمن، منذ تدشّنت "عاصفة الحزم" في مارس/ آذار 2015، من طورٍ إلى طورٍ من هذه التنويعات، غير أن المشترك الأوضح بينها جميعها هو انعدام أي حساسيةٍ إنسانيةٍ وأخلاقيةٍ عند الأطراف جميعها. وحسنا نصنع لو قرأنا كتاب بشرى المقطري "ماذا تركت وراءك؟ أصوات من الحرب المنسيّة" (2018)، فهو يُسعفنا بالتعرّف إلى أن إزهاق أرواح المدنيين، والثقة المفرطة بالنفس لغياب احتمالات المحاسبة، هما من بين جوامع غير قليلة يتحلّى (!) بها طرفا الاحتراب المستمر، الحوثيون (يسمّون أنفسهم أنصار الله) وقوات السعودية والإمارات (يسمّيان نفسيهما التحالف العربي). جاءت مقتلة المسجد في المعسكر الحكومي في مأرب لتدل على أن اليمن بعيد عن السلام، لأن أطراف الإقليم لا يلحّ عليها هاجسه، ولأن شهوة المغالبة والاستحواذ متوطّنةٌ لدى الحوثيين الذين لا يقلقهم أن يموت أربعة أخماس اليمنيين في مقابل احتفاظهم بصنعاء، ولأن الطرف الآخر ليس في حوزته أي قسطٍ من قرار الحرب أو السلام، أي الطرف الأضعف في معادلة النفوذ والتحكّم والسيطرة والقوة، ويُقصَد به الحكومة اليمنية المقيمة في الرياض، والتي دُفعت إلى توقيع اتفاقٍ مع المجلس الانتقالي الجنوبي (الانفصالي المدعوم من الإمارات) في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، والذي يُفترض أنه يقضم من سيطرة هذا المجلس على عدن، ويخصم من سلطته، غير أن مسار الوقائع في عاصمة اليمن المؤقتة (عدن) يؤشّر إلى ما يعاكس منطوق هذا الاتفاق الذي لا يُغفَل عن أنه دلّ على أن ثمّة وجوها عويصةً للقضية اليمنية، تُحسب سطوة الحوثيين على العاصمة صنعاء، وكذا سيطرتهم على مناطق واسعة من البلاد، اثنتيْن فقط من هذه الوجوه. ليس باديا أن مسار الأوضاع في اليمن ذاهبٌ إلى تسوية، إلى حلٍّ، إلى العبور إلى شيءٍ من الخلاص. وأمام هذا الاستعصاء الذي أوضحته جريمة قتل المجنّدين في مسجد، أخيرا، يصبح مدعاةً لضحكٍ كالبكاء مطلب حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي (دلّ أخيرا على وصفه رئيسا في تقديمه العزاء في مسقط في السلطان قابوس)، من مجلس الأمن، الأسبوع الماضي، تدخلّه لممارسة ضغوطٍ على مليشيا الحوثي الانقلابية (بتعبيرِها) "لتنفيذ قرارات المجلس للوصول إلى تسويةٍ سياسيةٍ شاملة للصراع في اليمن، تلبّي تطلعات كل أبناء الشعب في السلام المستدام المبني على المرجعيات المتفق عليها، .."، كما جاء في رسالة مندوب اليمن في الأمم المتحدة، عبدالله السعدي، إلى المجلس الذي ليس في وُسعه أن يصنع شيئا أمام انعدام إرادة في الإقليم وفي الداخل بالاتجاه إلى إنجاز التسوية المشتهاة، وأمام انعدام اكتراث الولايات المتحدة، واكتفاء الاتحاد الأوروبي بإصدار هيئاتٍ تتبع له تقارير (جيدة للحق) عن الحالة الإنسانية البالغة التعاسة في البلد المنكوب. أشاعت بضعةُ أسابيع، اتصفت ببعض الهدوء في الجبهات، سبقت جائحة المسجد في المعسكر الحكومي اليمني، مقاديرَ طفيفةً من التفاؤل بأن تعبا أصيب به المتحاربون، وبأن أجواء سلام عابر على الأرض يمكن أن تهيئ لانطلاقة أجواء تفاوضٍ جدّيٍّ تصل باليمن إلى تسويةٍ ما، ولكن، هيهات ...